كنا كمن يجدر بمن هم مثلنا أن يكونوا .. طفلين في بداية العمر لم نعرف إلا أننا حينما بدأ الفهم يتسلل إلى عقلنا كان أحدنا في حياة الآخر .. كان كلينا هنا .. يكبرني بسنة .. والسنة في حساب الأطفال عمر .. في تلك الفترة التي كنا نجاوب على سؤال الآخرين عن العمر ب"عندي خمس سنين ونص" .. النصف أكثر أهمية من الخمسة لو تعلمونكان صورة من صور أطفال كتب القراءة .. الطفل النظيف مهندم الملابس وثابت الشعر دائما .. مهندم الملابس طيلة الوقت .. لا تملك أمام مظهره في أي لحظة إلا ان تفكر انه قام بالاستحمام حالا .. وكنت طفلة من من تقول عنها بقلب نقي ان "البت لمضة" .. أتمتع بشيطنة هائلة ولا أجلس ثابتة لدقيقتين دائما فاركة محركة ذيل الحصان الأسود الذي كانت تصر أمي عليه
كان هو وأخ أصغر له.. أخ كانت مهمته الأساسية في الحياة لفترة لا بأس بها أن نثبت أن الاطفال يتمتعون بقدر كبير من السادية ..نتعمد جذب أي شيء يتمسك به الصغير لينطلق في بكاء يجعل أمه تهرع من مطبخها مستفسرة عن سبب بكائه فنجاوبها ببراءة منقطعة النظير .. "مش عارفين"
كنت قائمة بدور المحرض على الحدث وكان هو القائم بالحدث
.
.
الفراق الأول .. كان عند ذهابنا للنوم .. أستعطاف من أمي أن أدخل إلى منزلنا ليرافقني ويأتي دور أمه في الاستعطاف .. كنا ننتظر اليوم التالي على مضض
.
.
الفراق الثاني.. نتحمل الذهاب إلى مدرستين مختلفتين بإنتظار انتهاء اليوم الدراسي .. كنت بحكم قرب المدرسة أعود قبله وانتظر حتى اسمع خطواته على درجات المنزل المتميزة بصخب بسبب اتباعه لطريقة مزينجر في السير.. نجلس بانتظار امي وامه مثيرين اعصاب اختي الكبرى التي تقوم بمجالستنا.
وضع خطة لنقله إلى مدرستي ووعود منه مستندا على حتمية الأمر فبالتالي اباه لن يتردد في نقله ليكون معي .
يؤذن في الجامع الصغير بصوته النقي كطفل القوي كمؤمن لم يعي بعد معنى الإيمان.. يجلس ليخبرني بكلماته الصغيرة كم أن المواظبة على الصة صعبة في بدايتها إلا انني بعد فترة سأعتاد عليها وسأشعر بنقص وفراغ إن توقفت عنها .. بكلماته كطفل كنت امارس الانبهار وأخبره " أنت حتدخل الجنة" فيجيبني بفخر " انا كمان حافظ 3 اجزاء من القرآن"
نمارس الطبقية مع بقية أطفال شارعنا ونمانع الأختلاط بهم .. نمارس اللعب التخيلي بناءا على خيالي الواسع ورغبته الدائمة في لعب دور البطل الأسطوري .. نؤدي جميع المهام المكلفين بها سويا بداية من "لم الجزم وملي القزايز" إلى الذهاب لشراء الخبز
.
.
الفراق الثالث .. حينما حصل أبوه كمعظم اباء تلك الفترة على عقد للعمل بالسعودية .. كان سعيدا كطفل وهو يخبرني "حركب الطيارة " وكنت سعيدة لسعادته بركوب الطيارة .. لم أكن بعدي وعيت أن ما سيفصلنا بعد ذلك هو أكبر من الذهاب للنوم أو مدرسة ..
فقط عندما أتى اليوم التالي ولم أسمع الآذان بصوته عرفت أنني سأهبط لشراء الخبز وحدي .. وتعلمت وقتها أن هناك ما يسمى بالخطابات في هذا العالم
خطاباته التي كانت تكتبها أمه على ورقة من كراسه المدرسي .. ورقة لم تكن تشبه ورقنا وقتها .. عند تلك النقطة كانت بداية تكوين مفهومي أن السعودية بالتأكيد في عالم آخر غير تلك الأرض التي اعيش عليها .. إن كانت تحتوي على ورق مثل هذا وألعاب كالتي يعود بها _كانت بداية معرفتي بألعاب بس اند بس_ وحيوانات لم أسمع بأسمها تدخل المنازل فبالتأكيد هي ليست على نفس الأرض
كان يأتي شهر واحد كل سنة .. يمنحني وعدا بأخذي معه عند الرحيل .. .. ابوه لن يمانع بالتأكيد فهو يعرف أننا لا نحب أن نتفارق .. وكنت اوافق معتقدة أن اهلي لن يمانعوا في رحيلي فأنا مزعجة بالقدر الكافي للتخلص مني
ومرت السنوات حتى صار عندي احدى عشر سنة .. عاد إلى مصر ليبقى دائما .. عاد لينقصوا من عمره الدراسي سنة فاصبح في نفس سنتي الدراسية مما أعطانا حجة أقوى أن نطيل من مكوثنا سويا .. اولى سنوات المرحلة الأعدادية
مشاجراته مع اصدقائه حينما كانوا يعلقون بمراهقة طفولية على سيرنا سويا في طريق الذهاب والعودة .. حتى اخبرنا الجميع اننا اخوات .. وصدقنا انفسنا وصرنا نتعامل بناءا على هذا .. فصار لا يتركني انزل وحدي .. ولا يحب صديقاتي ولا احب اصدقائه واخشى عليه منهم .. ويحذرني من جارنا بالعمارة المقابلة
كنت الأذكى وكان الأكثر مجهودا ومثابرة
وصار الأخ الأصغر هو الأخ الأصغر لي انا ايضا .. فكنت احرص على حمايته فإن ذهبنا الى بيت جدتي وكان السلم مظلم كنت احرص على ان يصعد كلاهما اولا وابقى انا بالآخر .. واحنق على الكبير حينما يسبقنا و يترك الأصغر خلفه
نسى السعودية .. حاول تعليمي قيادة العجل وفشل .. سهرنا سويا للمذاكرة .. تشاركنا عدة اشياء .. ولكن
.
.
.
الفراق الرابع .. ليس على الايام ان تمضي على وتيرة واحدة .. فمهما كانت درجة نقائك لن تستطيع ان تاخذ منها عهدا
كان لابد قبل بداية العام الدراسي الجديد ان يترك حينا الهادئ لينتقل إلى احد تلك المناطق الجديدة التي يطلقون عليها راقية .
كان عليه ان يتركني .. هذه المرة دون وعد .. ودون انتظار .. يومها كنت ادرك انها بداية لنوع جديد من العلاقة لم اكن اعرف اسمه .. تجمعت دموعي جميعها على بدايات رموشي دون أن تسقط .. ودعته واعدا اياي بالمجيء للزيارة
وقد فعل مرة واثنتان وثلاثة .. وفعلت
الا ان في النهاية انقطعت الزيارات وتباعدت الاتصالات الهاتفية .. ولم اعد انتظر .. ولم اعد اريد الانتظار
.
.
الفراق الآخير .. حينما أصبحت أنا مع كتبي وقهوتي المرة ومقاهي وسط المدينة ومنير وفيروز .. واصبح هو مع جيتاره واصدقائه المجهولين والأماكن المتكلفة الخانقة وميتالكيا
وتركنا من خلفنا
عم قاسم والفيلا المجاورة المليئة باكلاب وفيلا الراقصة _ لم تكن راقصة ولكننا وقتها كنا لم نرى الشعر المصبوغ الا في الافلام على الراقصات_ وشباك عم شكشك وقطتنا البيضاء ومعمل أنيس عبيد ومراقبة تقطيع الأفلام من شرفة منزلنا والرجل الأحمر
حينما أصبحت أشعر بالغربة عند الذهاب إلى حي جمعنا وصنعنا لنكون
*************
اللوحة لسوزان عليوان






